وفي 28 تشرين الأول/أكتوبر، عشية الاحتفال بـاليوم الدولي للرعاية والدعم، التأم أكثر من 40 مشاركًا من الأعضاء والحلفاء من مناطق متعددة في حلقة دراسية شبكية بعنوان “نسج إيكولوجيات الرعاية”. نظّم اللقاء أعضاء اللجنة التوجيهية للفريق العامل المعني بالمرأة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالتعاون مع منصة البحث المجتمعي؛ وكان اللقاء فرصة للاطلاع على المقاربات التحويلية في مجال الرعاية التي تطبقها المجتمعات حول العالم بوصفها ركيزة أساسية لتصوّر اقتصادات متجددة تضع الناس والكوكب في صميمها، وبنائها.
انخرط المشاركون على مدى ساعتين في حوار ثري تناول الفهم المتعدد للرعاية وممارساتها وتجاربها المختلفة. فكانت الحلقة الشبكية فرصة للتعرّف إلى مبادرات الرعاية المجتمعية التي يطوّرها الأعضاء والحلفاء ضمن مشروع البحث العملي النسوي التشاركي الذي تنفّذه الشبكة بشأن الاقتصادات المرتكزة على الرعاية. وفي ختام اللقاء، تأملنا الرعاية بوصفها شكلًا من أشكال المقاومة في مواجهة أوجه الظلم والأذى التي تكرّسها الأنظمة الرأسمالية والأبوية والاستعمارية التي تعلي الربح على الناس والكوكب، وكذلك في مواجهة هذه الأنظمة المتقاطعة ذاتها. علاوة على ذلك، أسهم الأعضاء في إحياء الميثاق الاجتماعي للرعاية وإبرازه مجددًا عن طريق تبادل رؤى متنوعة حول معنى الرعاية وتطبيقاتها.
“إنّ بناء مجتمع قائم على الرعاية الحقيقية يحمل في جوهره مسار تحويل المجتمع وتغيير النظام”.
ـــمايه بوينافنتورا، حركة الشعوب الآسيوية للديون والتنمية
التعرّف إلى الفهم المتعدد للرعاية ومقارباتها المختلفة
استُهل اللقاء بطقسٍ مؤثّر أدّته روزا ماماني من شبكة شيمبو (بوليفيا)، أضفى على الفضاء شعورًا عميقًا بالترابط بين المشاركين، وبمن سبقهم، وبالعالم الطبيعي. وقد عرضت روزا مذبحًا مكرّسًا لتكريم الأجداد ومعارفهم وممارساتهم المتجذّرة في روحانية تتمحور حول الرعاية والاحترام.
الرعاية حقّ اجتماعي
تلت ذلك مداخلة قدّمتها فالنتينا كونتريراس من المبادرة العالمية من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تناولت فيها أهمية ترسيخ الرعاية بوصفها حقّاً اجتماعياً أصيلاً. واستعرضت مثالاً على عملية إقليمية يشارك فيها أعضاء كثر، وهي مبادرة اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي الهادفة إلى بناء “مجتمعات الرعاية”، بما في ذلك التزام تلاتيلولكو الصادر عن المؤتمر الإقليمي للجنة بشأن شؤون المرأة (آب/أغسطس 2025).
الرعاية حقّ إنساني مستقل
تطرّقت كلوديا لازارو من نقابة عمّال صناعة الجلود في الأرجنتين إلى مفهوم الرعاية بوصفها حقّاً إنسانيًّا مستقلاً، موضحةً أهمية القرار التاريخي الصادر عن محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان الذي اعترف بهذا الحق (الفتوى 31/25). وأشارت إلى إسهام النقابة في الفريق الإقليمي من أعضاء الفريق العامل المعني بالمرأة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي قدّم مداخلة جماعية إلى المحكمة دعمًا لهذا الاعتراف. كما عرضت كلوديا كيف توظّف تعاونية ديليا بارودي هذا الإطار ضمن مشروع البحث العملي النسوي التشاركي، الذي يركّز على تعزيز الاعتراف بأعمال الرعاية المجتمعية في السياسات العامة والقانون.
الرعاية شفاء للجسد والأرض
عرضت خوانا توليدو من المجلس النسائي إكس نابِئيل في غواتيمالا مفهوم نساء المجتمع الأصلي عن الرعاية وكيف يُمارسنها، إذ ينظرن إليها بوصفها عملية شفاء للجسد وللأرض معاً. وأوضحت أن الرعاية، من وجهة نظرهن فعلٌ روحي وسياسي وجماعي يتأسّس على وحدة الجسد والأرض باعتبارهما إقليمًا واحدًا لا ينفصل.
الرعاية سبيل للجبر في مواجهة الديون والظلم المناخي
ناقشت ماريا ماتوي من منظمة الحراك النسائي نحو التنمية الاقتصادية في تنزانيا مفهوم الرعاية بوصفها وسيلة لجبر الضرر الناتج عن الديون والظلم المناخي، مؤكدة أنه “إذا كانت الديون تستنزف مستقبلنا، فإن الرعاية تعد السبيل لاستعادته”. وعن طريق مشروع البحث العملي النسوي التشاركي، يرى الحراك في الرعاية آلية للقيادة البيئية والعدالة الإصلاحية، تعمل على صون الكرامة، وترميم النظم الإيكولوجية، ومواجهة الأنظمة الاستعمارية والمالية التي تغذي الديون وتكرّس الظلم المناخي.
الرعاية جزء متأصل من حقنا في المستقبل
تحدثت مايه بوينافنتورا من حركة الشعوب الآسيوية من أجل الديون والتنمية عن الرعاية بوصفها جزءًا متأصلًا من حقّنا في المستقبل، متتبّعة الروابط الوثيقة التي تجمع بين الرعاية والديون والعدالة المناخية. وأوضحت أن هذه التقاطعات تعد محورًا أساسيًّا في حملة الحق في المستقبل التي تطلقها الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في مواجهة الأزمة المركّبة المتمثلة في قضايا الرعاية والديون والمناخ. كما شددت على “ضرورة وضع حدّ لهذا الخطر الذي يتهدد مستقبلنا ويجعله عرضةً للارتهان، وإمكان القيام بذلك”، مشيرةً إلى أن جزءًا من ذلك يتمثل في مقاومة سياسات التقشف المالي التي يفرضها صندوق النقد الدولي، لما تؤدي إليه من تقويض للحقوق الأساسية اللازمة لبناء اقتصادات ومجتمعات قائمة على الرعاية.
الرعاية مقاومة
قدّمت زميلتنا أسيل من فلسطين كلمة مؤثرة عن الرعاية بوصفها شكلًا من أشكال المقاومة في سياق النضال الفلسطيني من أجل التحرر واستعادة الحق في تقرير المصير. وأوضحت أن مشروع البحث العمل النسوي التشاركي الذي ينفذه مركز بيسان يتناول دور القيادة النسائية في حشد شبكات المعونة المتبادلة والتضامن القائمة على الرعاية والمعاملة بالمثل. وقالت: “الرعاية هنا فعل بقاء وفعل تحدّ في آن معًا. فكل ممارسة من ممارسات الرعاية من إطعام الأسرة، ومساعدة الجار، ومواصلة تعليم الأطفال، طريقة لنقول إننا ما زلنا هنا، ما زلنا متصلين، ولن نزول”.
وفي الختام، وعلى نحو يعيد صدى البداية، دعت روزا من شبكة سيمبو إلى التعبير عن التضامن مع فلسطين، ثم شاركتنا عبر شاشتها مشهدًا من أرضها: الريح تعبر بين الأعشاب والأشجار في موطنٍ تعتني به ويبادلها العناية.
ما الخطوات التالية؟
تعمل الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على إعداد مورد للتثقيف السياسي بشأن سُبل بناء اقتصادات متجددة محورها الرعاية، بالاستفادة من التجارب المتنوعة التي طُرِحت خلال هذه الحلقة الشبكية. وسيُسهم هذا المورد في دعم الأعضاء والحلفاء على تطوير مقاربات تحويلية للرعاية عبر مختلف الحركات والسياقات.
تابعونا لمزيد من التحديثات.


