يشارك
الإثنين, يناير 26, 2026

في الفترة الممتدة من 20 إلى 24 تشرين الأول/أكتوبر 2025، اجتمعت الدول الأعضاء، ومنظمات المجتمع المدني، والمجتمعات المتضررة في جنيف للمشاركة في أعمال الدورة الحادية عشرة للفريق العامل الحكومي الدولي المعني بالتفاوض بشأن معاهدة الأمم المتحدة حول الأعمال التجارية وحقوق الإنسان (الصك الملزم قانونًا). وبعد أكثر من عقد من المفاوضات، أعلن رئيس الفريق العامل عن لحظة مفصلية في مسار العملية التفاوضية، مشيرًا إلى عزم الرئاسة إنجاز المعاهدة خلال عامين. ويجعل هذا الإعلان من الفترة الفاصلة بين الدورات مرحلة حاسمة لتعزيز مساءلة الشركات، وضمان أولوية حقوق الشعوب والطبيعة على أرباح المساهمين.

يشارك
WhatsApp Image 2018 12 19 At 2.28.36 PM1

أبرز ما أُحرز في مفاوضات معاهدة الأمم المتحدة الملزِمة

برئاسة سعادة السيد مارسيلو فاسكيز بيرموديث (الإكوادور)، واصلت الدول الأعضاء المفاوضات حول المواد من 12 إلى 24 من مسودة المعاهدة مادةً بمادة، كما عقدت مناقشات حوارية تناولت 13 مقترحًا قدّمها الرئيس لإعادة صياغة المواد من 4 إلى 11. وشهدت المفاوضات مشاركة واسعة شملت أكثر من 70 دولة عضو، إلى جانب هيئات إقليمية، ومؤسسات وطنية لحقوق الإنسان، ومنظمات وشبكات المجتمع المدني، في مؤشر على استمرار الالتزام بالتفويض المنصوص عليه في  قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 26/9.

علاوة على ذلك، عُرضت خريطة طريق عام 2026 لمفاوضات معاهدة الأمم المتحدة، تضمّنت عقد ثلاث جلسات تشاورية موضوعية بين الدورات، تمهيدًا لانعقاد الدورة الثانية عشرة للفريق العامل الحكومي الدولي في تشرين الأول/أكتوبر 2026. وستركّز الجلسة التشاورية الأولى على المواد من 12 إلى 24، فيما قد تعيد الجلسات اللاحقة النظر في الأحكام السابقة، بما في ذلك الديباجة والمواد من 1 إلى 3. ومن المقرر تقديم الإسهامات الخطية بشأن الصياغات التي اقترحها الرئيس في موعد أقصاه الأول من شباط/فبراير 2026، ما يجعل هذه المرحلة محطة أساسية في جهود المناصرة التي تبذلها الدول الأعضاء ومنظمات المجتمع المدني.

وفي هذا السياق، أشارت مارتا ريبيرا (من  المرصد المعني بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) إلى أن الدورة شهدت انخراطًا جديدًا لعدد من دول الجنوب العالمي، لكنها كشفت في الوقت عينه عن معارضة متجددة ومنسّقة من بعض دول الخليج حيال حماية قضايا النوع الاجتماعي والتنوّع الجنسي، الأمر الذي يبرز في آنٍ واحد الفرص والمخاطر التي تكتنف هذه المرحلة من مسار معاهدة الأمم المتحدة.

على مدار الأسبوع، حرص المجتمع المدني مرارًا على ربط المفاوضات بالواقع المعيش والتجارب الحياتية للمجتمعات المتضررة. وفي هذا السياق، قالت غريس تيبولا (تجمع النساء الريفيات، زامبيا) في البيان الختامي المشترك للمجتمع المدني:

“إنّ المجتمعات المتضررة من مختلف أنحاء العالم، والتي شاركت معنا هذا الأسبوع، عانت تبعات إفلات الشركات من العقاب، فيما ظلّ الجناة على حالهم دون تغيير: الشركات العابرة للحدود.”

ديناميات التفاوض: التقارب والضغط من أجل تعزيز مساءلة الشركات

طوال أعمال الدورة، واصل المجتمع المدني ممارسة ضغط منهجي من أجل إرساء معاهدة أممية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان تتمحور حول الإنسان وتستند إلى مبادئ حقوق الإنسان، لا معاهدة تُفرَّغ من مضمونها بفعل منطق الربح الذي تروّج له الشركات. وشملت المطالب الأساسية التي جرى تأكيدها مرارًا في مختلف المداخلات ما يلي:

  • الولاية القضائية خارج الإقليم ومبدأ المنتدى الأنسب بما يكفل الحق في الوصول إلى العدالة؛
  • المسؤولية التضامنية والمتعددة الأطراف عبر سلاسل القيمة العالمية؛
  • آليات قوية للمساءلة المدنية والجنائية والإدارية؛
  • ضمانات وأطر تنظيمية صارمة للتصدي لهيمنة الشركات على السياسات العامة ومنع التأثير غير المشروع في رسمها؛
  • تكريس أولوية حقوق الإنسان على اعتبارات التجارة والاستثمار والربح.

علاوة على ذلك، تصدّى المجتمع المدني لمحاولات ممثلي الشركات إضعاف المعايير المتعلقة بالاختصاص القضائي المنصوص عليها في المعاهدة. ففي مداخلة بشأن المادة 9، رفضت الريم كمال، متحدثةً باسم الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبرنامج السوري للتطوير القانوني، ادعاءات قطاع الشركات بأن توسيع نطاق الولاية القضائية من شأنه تقويض القانون الدولي، قائلةً:

“إنّ الوصول إلى المنتدى الأكثر حماية لا يُعد إساءة استخدام، بل تحقيق للعدالة. فالمادة 9 بصيغتها المحدّثة تُسند الاختصاص القضائي إلى روابط واضحة ومقبولة. وهذه الروابط ليست “مفرطة” أو “مبالغًا فيها”، بل ضرورية لسدّ الثغرات القائمة في منظومة الوصول إلى سبل الانتصاف.”

وأضافت الريم أنّ اعتراضات الشركات على الولاية القضائية خارج الإقليم والولاية القضائية العالمية تهدف في جوهرها إلى تحصين الشركات من المساءلة، مؤكدةً أنّه:

“لا يمكن تقييد نطاق المعاهدة، سواء من حيث الولاية القضائية أو المسؤولية، لأنّ ذلك يتعارض مع الغاية الأساسية التي نجتمع من أجلها اليوم.”

كما حذّرت الريم من أنّ المحاولات المتكررة لعرقلة الأحكام الجوهرية أو إعادة صياغتها تعكس إشكالية أعمق تتصل بتضارب المصالح، ما يعزّز دعوة المجتمع المدني إلى تحصين مسار إعداد المعاهدة وحمايته من هيمنة الشركات.

على الرغم من توافق عدد من الدول الأعضاء مع هذه المبادئ، واصلت جماعات الضغط التابعة للشركات الدفع في الاتجاه المعاكس، مطالِبةً بإعادة صياغة الأحكام الجوهرية أو حذفها، ومروّجةً لنهج طوعية تستند إلى مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان. وقد رفضت منظمات المجتمع المدني هذه المساعي، محذّرةً من مخاطر تحويل المعاهدة إلى أداة إضافية لـ”الغسل الأخضر” أو للتهرّب من المساءلة القانونية.

مشاركة الشبكة العالمية وحلفائها في الدورة الحادية عشرة للفريق العامل الحكومي الدولي

شهدت مفاوضات المعاهدة الأممية حضورًا قويًّا ومتنوّعًا للمجتمع المدني، تمثّل في مشاركة الحركات النسوية والشبابية والعمالية، إلى جانب حركات الشعوب في الجنوب العالمي، التي كانت في صلب مسار المفاوضات. وعملت الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على نحو وثيق مع حركة النسويات من أجل معاهدة ملزِمة (F4BT)، والحملة العالمية لتفكيك هيمنة الشركات، وشركاء تحالف المعاهدة، حيث قدّموا بيانات افتتاحية وختامية مشتركة، كما تعاونوا على تنظيم فعالية جانبية واسعة الحضور تناولت سبل وضع حدّ لهيمنة الشركات وإفلاتها من العقاب.

كشفت الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مداخلتها الافتتاحية أن الجهات الفاعلة من الشركات لا تزال تتدخل في صناعة السياسات العامة، بينما يُسكت كل من يطالب بمساءلة هذه الجهات. ودعت الشبكة الدول الأعضاء، وخصوصًا من الجنوب العالمي، إلى التصدي بحزم للثغرات القانونية، والأنظمة الطوعية، وإفلات الشركات من العقاب. كما شدّد بيانها الختامي على أولويات عاجلة تشمل إعادة إدراج الحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة، ودمج مقاربات متعددة الجوانب تراعي المنظور الجندري، وترسيخ المعاهدة على أساس التطبيق الشامل للقانون.

في سياق متصل، أكّد مشاركون من المجتمعات المتضررة، وخصوصًا من الجنوب العالمي، أن الأضرار التي تُسبّبها الشركات ليست مجرد أحداث معزولة، بل متجذّرة بعمق في الأنظمة العالمية القائمة على العنف والاستخراج والقمع. وفي البيان الختامي الثاني المشترك، تحدثت هاي شا ويّا، باسم تحالف المجتمع المدني الواسع عينه، محذّرةً:

“في شتى أنحاء العالم، نشهد العواقب الوخيمة لسلطة الشركات غير المنضبطة.”

وأشارت صراحةً إلى غزة، حيث لا يزال الدعم المادي والمالي والتكنولوجي الذي تقدّمه الشركات للمجمّع العسكري-الصناعي يسهم في تأجيج الاحتلال ونظام الفصل العنصري والإبادة الجماعية، بما يجعل تواطؤ الشركات واقعًا يتعذّر تجاهله. وتعكس هذه الوقائع بشكل مباشر “الخطوط الحمراء” التي حدّدتها الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحركات الحليفة لها طوال مسار العملية التفاوضية، ومفادها أنّ أي معاهدة تتسامح مع هيمنة الشركات، أو تحصّن الجهات الفاعلة من الشركات من المساءلة، أو تُخضع حقوق الإنسان والحقوق البيئية لمنطق الربح، لن تكون قادرة على تحقيق العدالة أو الوفاء بالتفويض المنصوص عليه في القرار رقم 26/9.

تجاوز هذا الانخراط الجماعي إطار المفاوضات ذاتها. ففي 20 تشرين الأول/أكتوبر 2025، شاركت الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تنظيم فعالية جانبية بعنوان “إخضاع الشركات للمساءلة: مبادرات حكومية وبرلمانية ومجتمعية لوضع حدّ للإفلات من العقاب والتواطؤ“، جمعت دولًا أعضاء وبرلمانيين ومنظمات مجتمع مدني، بهدف التصدي لإفلات الشركات من العقاب في سياقات متعددة، من بينها انتهاكات حقوق الإنسان، والظلم المناخي، والإبادة الجماعية.

وخلال الفعالية، سلّطت الشبكة العالمية الضوء على تواطؤ الشركات في الإبادة الجماعية في غزة، مبيّنةً الروابط الوثيقة بين العسكرة، والأضرار المناخية، ومصالح الشركات، كما استعرضت استراتيجيات عملية لإشراك الدول في وضع حدّ لهذا التواطؤ. وشملت هذه الاستراتيجيات مبادرات من قبيل الحظر العالمي للطاقة من أجل فلسطين، وعملية إعداد المعاهدة الملزِمة، إلى جانب المفاوضات المناخية.

وقد عكست هذه المداخلات مضمون بيان الشبكة العالمية خلال الفعالية الجانبية، مجدّدةً التأكيد أن القواعد الملزِمة وحدها، لا المقاربات الطوعية، كفيلة بضمان حقوق الإنسان وتحقيق العدالة المناخية.

ما الذي لا يزال محلّ نزاع في مسار إعداد المعاهدة الأممية؟

على الرغم من التقدّم المُحرَز في المفاوضات، لا تزال خلافات جوهرية قائمة في مسار التفاوض بشأن معاهدة الأمم المتحدة حول الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، وتتركّز بصورة أساسية حول القضايا التالية:

  • نطاق المعاهدة (ما إذا كانت ستقتصر على الشركات العابرة للحدود أم ستشمل جميع المؤسسات التجارية)؛
  • المسؤولية والولاية القضائية، بما في ذلك مسألة رفع الحجاب عن الشخصية الاعتبارية للشركة؛
  • التوازن بين سيادة الدول والالتزامات الدولية الملزِمة؛
  • ضمانات صريحة تحول دون تأثير الشركات في عمليات الأمم المتحدة والتشريع الوطني.

النتائج والخطوات التالية لمعاهدة الأمم المتحدة الملزِمة

اعتمدت الدورة التوصيات التي قدّمها الرئيس المقرّر، رهن الاستشارة ، والتي شملت ما يلي:

  • نشر جميع المقترحات النصية والبيانات على الموقع الإلكتروني لمكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان؛
  • توجيه دعوة لأصحاب المصلحة من الدول ومن غير الدول على حد سواء لتقديم مذكرات خطية بشأن الصياغات المقترحة من قبل الرئيس، في موعد أقصاه الأول من شباط/فبراير 2026؛
  • مواصلة العمل بآلية أصدقاء الرئيس بهدف تعزيز التقارب بين الأقاليم المختلفة؛
  • تنفيذ خريطة طريق عام 2026 تمهيدًا لإجراء مفاوضات موضوعية خلال الدورة الثانية عشرة للفريق العامل الحكومي الدولي، المقررة في الفترة من 19 إلى 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026.

ما الذي يجعل الأشهر الثمانية عشر المقبلة مرحلة حاسمة لمساءلة الشركات؟

أكدت الدورة الحادية عشرة للفريق العامل الحكومي الدولي أن معاهدة الأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان دخلت مرحلتها النهائية الحاسمة سياسيًّا. وسيكون للجلسات التشاورية المقبلة بين الدورات دور مهم في صياغة المسودة التالية، وفي تحديد ما إذا كان الصك الملزِم قانونًا يُجسّد تطلعات الشعوب والمجتمعات المتضررة، أم أن الأجندات الاستعمارية للشركات ستفرّغه من مضمونه. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة إلى تكثيف الجهود والانخراط بفعالية أكبر في هذه العملية، ولا سيما في ما يتصل بنطاق المعاهدة وتعريفاتها وأحكام المسؤولية، على نحو يستند إلى مبادئ حقوق الإنسان والعدالة.

عقب انعقاد الدورة الحادية عشرة، غدا الأفق واضحًا: ثمة إمكانية لصوغ معاهدة قادرة على وضع حدّ لإفلات الشركات من العقاب، وكبح هيمنة الشركات، وضمان تحقيق العدالة والجبر. غير أنّ إنجاز هذه المعاهدة يتطلّب تحلّي الدول الأعضاء بإرادة سياسية مستدامة، إلى جانب ضغط ثابت لا يلين من المجتمع المدني، لضمان أن يكون هذا الصك فعلًا في خدمة الفئات التي وُضع أساسًا لحمايتها.