قدّم مؤتمر الأطراف الثلاثون (كوب30) حفنة من الالتزامات الجديدة، من بينها آلية بيليم للعمل من أجل انتقال عادل وخطة العمل المحدَّثة للمسائل الجنسانية. غير أنّ الإخفاق الأبرز الذي انتهت إليه القمة ألقى بظلاله على هذه “الإنجازات”، إذ خلت الوثيقة الختامية تمامًا من أي إشارة إلى التخلّص التدريجي من الوقود الأحفوري. وقد جاء هذا التجاهل في عام شهد حضورًا غير مسبوق لمصالح قطاع الوقود الأحفوري داخل عملية اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ؛ إذ سُجّلت مشاركة ما يزيد على 1600 من جماعات الضغط المعتمدة، فكانوا بذلك أكبر الوفود المشاركة في المحادثات، وأسهموا في تحديد مخرجاتها بما حال دون معالجة السبب الجذري للأزمة المناخية.
استندت الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، خلال مشاركتها في فعاليات مؤتمر الأطراف الثلاثين، إلى الركائز الست لتحرير العمل المناخي من النزعة الاستعمارية. ودعت إلى تبنّي الحلول الشعبية، وتعزيز التحليل النسوي التقاطعي، وضمان تدفّق التمويل الإصلاحي القائم على الجبر، وحماية المدافعين، والتصدّي للنموذجين العسكري والاستخراجي، ووضع حدّ لهيمنة الشركات.
كان اعتماد آلية بيليم للعمل من أبرز مخرجات القمة، لكونها الأولى من نوعها التي تعترف رسميًّا بدور مجتمعات الخطوط الأمامية في رسم مسارات الانتقال. وبينما تُعدّ هذه الخطوة إنجازًا مهمًا، تؤكد الشبكة أنّ تحقيق أثر فعلي مرهونٌ بقيام الدول بتوفير تمويل مناخي عام وكافٍ وغير مُنشئ للديون، وبضمان حماية الآلية من هيمنة الشركات.
في هذا الصدد، قالت حنين شاهين من حركة مينافيم “إنّ هذه الآلية ما كانت لتُبصر النور لولا الضغط الذي مارسته الحركات، وليس لأنّ الدول حققت العدالة. وأضافت “لم نربح التمويل، بل كسبنا مساحة للنضال من أجل انتزاعه”، مشيرةً إلى غياب أي التزامات بتمويل إصلاحي يُلبّي متطلبات انتقال عادل وحقيقي.
لقد أخفق مؤتمر الأطراف الثلاثون أيضًا في معالجة المخاوف التي أثارها المجتمع المدني والحركات المناخية بشأن التدابير التجارية الأحادية، التي ما انفكّت تُلحق الضرر باقتصادات الجنوب العالمي تحت شعار الانتقال العادل. وعلى الرغم من اتفاق الأطراف على عقد حوارات سنوية بشأن هذه التدابير، ترى الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن ذلك لا يرقى إلى مستوى الحمايات الضرورية الملزِمة للحؤول دون نشوء أشكال جديدة من السيطرة الاستعمارية والإكراه الاقتصادي.
وفي الوقت عينه، يبقى مآل الهدف العالمي المتعلق بالتكيّف بعيدًا من تلبية الاحتياجات الماسّة، إذ اتفقت الأطراف على زيادة التمويل إلى ثلاثة أضعاف خلال العقد المقبل بدل التحرّك الفوري لمواجهة الآثار المناخية التي تتفاقم بوتيرة متسارعة. أمّا مجتمعات الخطوط الأمامية، التي تواجه بالفعل أضرارًا لا رجعة فيها، فلا يسعها الانتظار حتى عام 2035، إذ سيكون الأوان قد فات بحلول ذلك الحين.
يبدو أن مؤتمر الأطراف الثلاثين مُصرٌّ على تجسيد الإخفاقات النظامية عينها، إذ طرح مخططات سوقية جديدة، من بينها صندوق الغابات الاستوائية إلى الأبد، بدل الالتزام بتوفير التمويل الحقيقي العام وغير المُنشئ للديون. ولا يخدم هذا الصندوق دعم المجتمعات أو حماية الغابات، بل يعمّق النزعة نحو تحويل الطبيعة إلى سلعة. ومن هذا المنطلق، ترفض الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية هذا الصندوق وسائر المحاولات الرامية إلى استبدال التمويل المناخي الحقيقي بآليات تتوخى الربح.
خطة عمل بيليم للمسائل الجنسانية: تقدّم تُظلله الانتكاسات والتراجعات
اعتمدت الأطراف خطة عمل بيليم للمسائل الجنسانية للفترة 2025-2035، والتي تتضمّن اعترافًا تاريخيًّا بالمدافعين عن حقوق الإنسان البيئية. غير أنّ الحركات نبّهت إلى ما يشوب الخطة من نقاط ضعف كبيرة.
فقد أعربت رانجانا غيري، من منتدى آسيا والمحيط الهادئ المعني بالمرأة والقانون والتنمية، عن أسفها “لما تشهده لغة حقوق الإنسان من تراجع”. وأشارت إلى أنّ الخطة تفتقر إلى إطار تقاطعي، وتستثني الأشخاص ذوي التنوع الجندري، ولا تشمل أي تمويل مباشر للعمل المناخي المراعي للمنظور الجنساني.
من جهتها، شدّدت كاميلا بوليرا من مركز القانون الدولي البيئي على أهمية حماية المدافعين، مؤكدة أنّ “المدافعين يقفون في الخطوط الأمامية للعمل المناخي، حتى عندما يُقصَون عن غرف المفاوضات بسبب الخوف أو القمع أو الاستبعاد. وهذا ما ثبت ببينة مؤلمة خلال مؤتمر الأطراف الثلاثين.
الخسائر والأضرار: إفلات المُلوّثين والمجتمعات تدفع الثمن
لم يُسجَّل سوى تعهّدين لتمويل صندوق الخسائر والأضرار، بمبلغ إجمالي لا يتجاوز 21 مليون يورو، في حين تحتاج بلدان الجنوب العالمي إلى 400 مليار دولار في عام 2025 وحده. وفي هذا السياق، قال فلاديمير تشيلينيا من شبكة المعلومات والعمل الدولية – زامبيا إن “تغيّر المناخ يواصل تدمير سبل عيش ملايين المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة”، مشيرًا إلى أن “فشل الجهات المسؤولة في توفير التمويل اللازم يدلّ على غياب الاهتمام بحقوق الإنسان في البلدان النامية”.
وفي السياق عينه، أوضح أدريان مارتينيز بلانكو من منظمة “طريق المناخ” أن “مؤتمر الأطراف الثلاثين جاء خاليًّا من القرارات الهادفة إلى جبر الخسائر والأضرار”، مؤكدًا أن “مسائل الحقوق والواجبات القانونية لا ينبغي أن تكون موضع مساومة على طاولة المفاوضات”. وشدّد على ضرورة امتثال اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ للقانون.
كذلك، أشارت شيرين طلعت من حركة مينافيم إلى أنّ مؤتمر الأطراف الثلاثين كشف مجددًا عن “الفجوة بين الاعتراف والعمل”، إذ تعترف الدول بالحقوق من جهة، لكنها تتجاهل التزاماتها القانونية أو تقديم التمويل الفعلي من جهة أخرى، في وقت ما تزال مجتمعات الجنوب العالمي تواجه الجفاف والفيضانات والنزوح وسياسات التقشّف.
كما برزت فجوة صندوق الخسائر والأضرار في سياق تصاعد النزعة العسكرية العالمية، والتي تستنزف الموارد العامة وتزيد من تفاقم الأضرار المناخية. في هذا الإطار، أخفق مؤتمر الأطراف الثلاثون مرة أخرى في ضمان الشفافية والمساءلة المتعلقة بالانبعاثات العسكرية، وأعفى بذلك واحدًا من أكثر القطاعات تلويثًا من الرقابة والمحاسبة.
من بيليم إلى غزة: نزعة عسكرية، وإبادة بيئية، ومدافعون تحت التهديد
علاوةً على ذلك، برزت بوضوح في بيليم مظاهر القمع وتضييق المساحة المتاحة للمدافعين عن حقوق الإنسان. فقد جوبهت الشعوب الأصلية التي حشدت دفاعًا عن حقوقها بدروع شرطة مكافحة الشغب والحواجز الأمنية، في مشهد يعكس العنف الذي يواجهه المدافعون حول العالم أثناء حماية الأرض والمياه والأقاليم. ولم تكن هذه الوقائع سوى تجسيد أوسع لديناميات النزعة العسكرية التي تغذّي الاحتلال غير القانوني، والإبادة الجماعية، والتدمير البيئي على الصعيد العالمي. وفي هذا السياق، أعربت الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عن دعمها لحملة الحظر العالمي للطاقة من أجل فلسطين، التي ندّدت بما يجري في غزة من إبادة جماعية وإبادة بيئية. كما دعت إلى استبعاد الجهات المتورّطة في هذه الانتهاكات من المشاركة في مفاوضات المناخ في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، بما في ذلك الدعوات إلى “طرد إسرائيل” من مؤتمر الأطراف الثلاثين.
في مؤتمر صحفي عقدته الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حذّرت المدافعة الكولومبية مارثا ديفيا غريزاليس من أنّ جماعات الضغط التابعة لقطاع الوقود الأحفوري “تكتب مستقبل الكوكب”، داعيةً إلى اعتماد سياسة صارمة لتضارب المصالح تحدّ من هيمنة الشركات. واستنادًا إلى مبادرة البحث المجتمعي التي نظّمتها الشبكة في كولومبيا ومنغوليا والمكسيك وكينيا وزيمبابوي، أكدت غريزاليس أنّ الحلول الشعبية في متناول اليد. وأضافت أنّ الرسالة كانت واضحة: من دون قواعد دولية ملزِمة، على غرار تلك التي يُدفع بها في إطار المعاهدة الملزِمة بشأن الشركات عبر الوطنية وحقوق الإنسان، تكبح نفوذ الشركات وتمنع الدول والشركات المتورّطة في انتهاكات حقوق الإنسان من التأثير في القرارات المناخية، ستظل مخرجات مؤتمرات الأطراف عاجزة عن تحقيق العدالة التي تتطلع إليها المجتمعات.
تزايد الدفع نحو مستقبل خالٍ من الوقود الأحفوري
على الرغم من الفشل في التوصل إلى اتفاق حول التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، استمر الزخم في النمو تجاه المقترح الذي تقدمت به كولومبيا لبناء مستقبل خالٍ منه.
وفي هذا السياق، صرح سيرجيو تشابارو هيرنانديز من مركز القانون والعدالة والمجتمع قائلاً: “يبقى التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري القضية الجوهرية التي يتجاهلها الجميع”. وأكد أن تحقيق انتقال عادل يتطلب إصلاح النظام المالي الدولي، بما يشمل إلغاء الديون، وتطبيق نظام ضريبي دولي، ونقل التكنولوجيا. وأضاف: “سيظل وعد التنفيذ مجرد شعار ما لم يسدد الشمال العالمي ديونه المناخية”.
لقد أسهمت القيادة الكولومبية في دفع النقاش حول التخلص من الوقود الأحفوري قدماً؛ وفي الوقت عينه، شدّد أعضاء الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أنه ينبغي لأي مسار نحو مستقبل خالٍ من الوقود الأحفوري أن يقوم على العدالة، وأن يحظى بتمويل كافٍ، وأن يكون بمنأى عن نفوذ كبار الملوّثين وعن المخططات المضلِّلة التي تقودها الشركات. كما أكد الأعضاء ضرورة أن تستند عمليات الانتقال إلى تحليل نسوي وتقاطعي، وأن تسترشد بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الأحكام الصادرة مؤخرًا عن محكمة العدل الدولية ومحكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان، والتي تؤكد أن الجهات المسؤولة تاريخيًّا عن الانبعاثات ملزمة بمنع المزيد من الأضرار، وضمان المساءلة، ودعم الحلول الشعبية.
تعقيبًا على المستجدات، قالت مادالينا نيغليا من الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان: “نحن نسلك بالفعل مسارًا يؤدي إلى ارتفاع الاحترار العالمي بمقدار 2.6 درجات مئوية، ونتجاوز نقاط التحوّل المناخي بوتيرة وقوة متسارعتين”. وأضافت: “لقد أكدت محكمة العدل الدولية ما ظلّ يؤكده العلم ومجتمعات الخطوط الأمامية منذ زمن، وهو أن إنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري ضرورة حقوقية ملحّة يجب الامتثال لها فوراً.”
لن يأتي الملوّثون بالحلول الحقيقية… فالحلول تنبع من الشعوب
تقدّم الشعوب الأصلية، والحركات النسوية وقواعدها الشعبية، والفلاحون، والعمال، وسائر مجتمعات الخطوط الأمامية في مختلف أنحاء العالم حلولاً حقيقية وفعّالة لمواجهة الكارثة المناخية؛ وهي حلول غالبًا ما تتجاهلها مفاوضات مؤتمر الأطراف. وفي هذا السياق، قال جاكس بونغون من منظمة “آيبون” الدولية: “على الرغم من المقاومة المتوقعة من دول الشمال العالمي، نجحت الحركات في انتزاع مكسب مهم عبر آلية الانتقال العادل”. وأضاف: “لكن يتعيّن علينا الآن إجبار دول الشمال على توفير التمويل والالتزام بتنفيذ التخلص التدريجي، العادل والسريع، من الوقود الأحفوري، فضلاً عن التصدي للحلول الزائفة التي تروّج لها الشركات.”
انضمّت الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى المسيرة التي شهدتها مدينة بيليم بمشاركة 70 ألف شخص للمطالبة بالعدالة وبمستقبل خالٍ من الوقود الأحفوري، والدعوة إلى تبنّي حلول تنبع من الشعوب لا من الملوّثين. وأكد الأعضاء أن التصدي للأزمة المناخية يقتضي تحولاً جذريًّا يشمل إنهاء دعم الوقود الأحفوري، وإلغاء الديون غير المشروعة، ووقف التدفقات الهائلة للأموال التي تغذي آلة الحرب، وإعادة توجيه تلك الموارد نحو تمويل الخسائر والأضرار، وتعويض المتضررين، ودعم الحلول المناخية الشعبية، بما في ذلك جهود التكيّف المجتمعية.
إن الحلول التي تقودها الشعوب تستعيد السيادة وتنقل مركز القوة من الشركات إلى المجتمعات. وانطلاقاً من هذا المبدأ، يواصل أعضاء الشبكة العالمية في مختلف الحركات التأكيد أن أي مقاربة لا تصون حقوق الإنسان، ولا تكفل حق تقرير المصير والكرامة، ولا سيما حقوق الشعوب التي عانت من الاضطهاد تاريخيًّا، ليست حلاً حقيقيًّا. فذلك لا يعدو كونه استعمارًا مناخيًّا واعتداءً مباشرًا على الإنسانية وعلى حدود قدرة الكوكب على التحمّل.


